الدكتور أحمد يونس يهلوس في سره على الملأ< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />


الكتابة بلا مخاطرة,< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

كمواجهة العواصف على الخريطة.

الدرس الأول

كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 30 يونيو 2007 الساعة: 16:11 م

الدرس الأول

 

المكان: قـارب لاثـنين وسط بحــيرة الريتيرو في قــلب مدريد. الزمان: أمـسـية ينايرية كتلك التي طالما تمـنيت في طفولتي أن أرسمها على زجاج النوافذ.

المنظر: الشمس، لكي لا تلتوي قدماها ـالواحدة حول الأخرىـ أثناء الرحيل، تلملم أطراف عباءتها التي تشابكت مع قمم أشجار الكــستناء أو الصــنوبر. تلسعها من العرقوب حتى استدارة الردفين أجـهزة صـعـق النمــوس المـثبتة بين الأغصان. بقايا جـليد الليلة المــاضية ينسحب ليتجمع هناك حيث لا يمشي أحد. أعمدة النور ـمن الشارع الرئيسي البعيدـ توبخ الحـمام الذي يسير على الأرض لأنه تأخر في الذهاب إلى الفراش. العصافير المجهدة من طول اللعب، لا تلتزم بالنوتة الموسيقية في أدائها لأغنيات  ما قبل النوم.

 

أتظاهر بأن التجـديف أنهكني إلى حد اللهــاث، فتبرطم هي قليلاً بإنجليزيتها تلك المتأسبنة، ولا تلبث أن تعبر عن قلقها لتوقفنا المفاجئ هكذا بعيداً.

هـي: ما الذي جرى لك؟

أنا: ذراعاي.

هـي: مالهما؟

أنا: سيسقطان من التعب حالاً في الماء. السـمك سيتعشى الليلة على أصابعي التي لا غنى لي عنها في إشعال السجائر.

هـي: خذ بالك. شـركــات التـبـغ ـلو علمت بهذاـ سوف لا تتردد في إغلاق أبوابها من الغد.

أنا: لا تخافي عليها. جفناي لن يتأخرا طويلاً في التدرب على كيفية التعامل مع الكبريت. 

هـي: ما أغـرب هذا المساء!

أنا: لماذا؟ ما الذي يجعله غريباً؟

هـي: لا أدري. شيء ما في الجو يضعه خارج السياق.  

انتابني الإحساس بأننا داخل لوحــة لسيزان. الجميع هناك على اتساع المتنزه يلتمسون البهجة أو الطمأنينة أو الأمل أو السلوى في قربة النبيذ التي تتدلى من هذا الكتف أو ذاك. أو ـربماـ يستعينون بها أيضاً على البرد أو الألم أو الشعـور بلا جدوى الحياة. الأولاد هم عـادة من يحتضنون هذه البـارات الجـلدية المتنقلة. البنات ـفي المقابلـ يحملن حقيبة الساندويتشات أو البارباكيو. مجموعات صغيرة ـبزي موحدـ من عازفي الجيتار يسمونها: لاتونا، تتحرك من نقـطـة إلى أخرى، بينما هي تــردد أثناء السير أغــنيات شــتـائية حزينة.     

وعلى المقاعد الخشبية ـبمحاذاة الممشى الطويل المؤدي إلى المرسىـ يبحث الذين يعانون مــن الوحــدة عن طريقة يفتحون بها موضوعاً للكــلام فيما بينهم. لا أسمع ما يقولونه لبعــد المسافة. وعلى افـتراض أن أذنَي التقطتا الحوارات الثنائية المقتضبة التي تتقاطع بطول أو عرض المتنزه الذي يغدو بالليل كغابة الأشباح، لا فرق. لن أفهـم شيئاً لجهلي التام باللغـة. ومع ذلك، فلقد كانت تلك الأحاديث ـبالرغم من بعــد المسافة أو عائق اللغةـ تتردد داخلي على نـحو ما:

ـتأتي باستمرار إلى هذا الركن. أليس كذلك؟

ـنادراً ما أجد الوقت لأفعل. نادراً جداً. مرتان في اليوم. إلا إذا خف المطر.

متزوج؟

ـأرمل.

ـأوه! آسفة جداً. لم يكن في نيتي أن أحرك عليك المواجع.

ليس هناك في الحقيقة ما يستوجب الاعتذار. حدث هذا منذ لا أذكر كم من السـنين.

ـأنا على العكس.

ـعلى الماذا؟ العكس كيف؟

ـأبداً ما كان لي أحد. أقصد أنني أبداً ما كنت لأحــد.

ـهذا أهـون كثيراً. على الأقل في هذه الحالة لا يشعر الإنسان بالافتقاد، عندما يتغيب فجأة العزيز الذي أدمنه القلب.

ـأو يظل يفتقده طوال العــمر لأنه لا يجيء.  

أقول في نفسي: لا يوجد ما هو أقسى من الغربة سوى الاغتراب.

هـي: فيما تفكر؟

أنا: لن أخــبرك. لا أحب أن تسـيء معلمتي الظـن بي.

هـي: حسناً! لكي نكون عمليين، وقبل أن تسرح مني مرة أخرى، قل لي ماذا نصنع الآن؟

أنا: تلقفي!

أقذف لها بديوان شــعر عليه توقـيع شـخص يدعى: رفائيل ألبيرتي، اشـتريته بالصدفة دون أن أعـرف شيئاً عن المؤلف أو المحتوى.

هـي: ما الذي تقترح أن أفعله بهذا؟ هل ترغب في أن أقرأ لك بعض قصــائده؟

أنا:   ما أريده مـنك فوق كـل ما تتصورين. ما أريده لا يمكن أن يخطر لـك في الحقيقة على بـال.

القفزة السريعة التي انتقلت بها ضـاحـكة لتجلس إلى جواري، جعلت الزورق يهتز بعنف. أدت الطـرطـشـة التي صاحبت هذه الحركة المـباغـتة إلى ابتلال بنطلوني من منتصف الساق حتى توكــة الحزام. وعلى الرغم من أن البـوت الذي ترتديه هي يصل إلى ما دون الركبتين بسنتيمترات قليلة، فلقد طالت قـطرات الماء المتناثرة مسـاحـات أخرى من جسدها تنعم بالدفء تحـت الفستان. لأول مرة في حياتي أكتشف أن الصرخة اللاإرادية التي تصدر عن البشر ـجراء الإحساس بقشـعـريرة البردـ هي نفسها بكل اللغات.    

هـي: كنت متأكدة من أنك عفريت. ملامح الإنسان لا تكذب أبداً. ها أنا ذا! افعل بي ما شئت. هيا! تصـرف على طبيعتك. لا تلتفـت كثيراً إلى اعتراضاتي. لا تأخـذها أصلاً في اعتبارك، ولا مانع أيضاً من بعض الهمجية. لا مانع بالمرة. بالعكس، سيكون هذا مزلزلاً.

أنا: اشرحي لي من فضــلك معنى الكـلمـات الـواردة بأشعار الديوان حتى أضيفها إلى مفرداتي بالإسبانية.

ببطء شديد هذه المرة، عادت إلى مقعدها في مواجهتي.

هـي: صـفر! لا تستحق غيره. بليد! لن تتعلم شيئاً بهذه الطريقة. لا شيء! التلميذ الشاطر هو الذي ينتبه عندما يضرب جـرس الفسحة.

كان هذا هو الدرس الأول. استأنفـت التجديف.                  

 

نُشر في أخبار الأدب 1 يوليو 2007

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

21 تعليق على “الدرس الأول”

  1. صايع يا ناس!

  2. كنت متأكدة من أنك عفريت. ملامح الإنسان لا تكذب أبداً. ها أنا ذا! افعل بي ما شئت. هيا! تصـرف على طبيعتك. لا تلتفـت كثيراً إلى اعتراضاتي. لا تأخـذها أصلاً في اعتبارك، ولا مانع أيضاً من بعض الهمجية. لا مانع بالمرة. بالعكس، سيكون هذا مزلزلاً. كلمات طالما ترددت داخل العقل الباطن لكل البنات الطبيعيات. لكن منهن تملك من الشجاعة ما يسمح لها بأن تعترف بذلك. أنا شخصياً لا أملك حتى نصف الشجاعة. بدليل أنني أوقع هنا باسم مستعار. علياء

  3. هل كان لا بد أن تكون أجنبية. صحيح الرجالة دول زي القرع يمدوا لبرة. مصرية لذيذة برضه وبتعرف تقول

  4. نص أدبي جميل وبسيط وصادق. أمنية عادل

  5. أحسن برضه. عشان تريحنا من الكلام الزفت بتاعك في السياسة. ياخي الحب مقدور عليه. ولو انك الظاهر إباحي كمان. مؤمن سعيد

  6. حسني عمران الشيخ قال:

    كويس قوي الدرس الأول. قصة جميلة فعلاً. لكننا كنا نتمنى أن نعرف ماذا حدث في الدرس الثاني؟ الخطوة اللي بعد كده يعني. هذا هو الأهم يا دكتور. حسني عمران الشيخ

  7. أهو كده! هي دي الكتابة اللي هي. مش سياسة سياسة سياسة، لما اتسيسنا على عينينا! من زمان وانا باترجا من ربنا أدخل المدونة دي، ألاقيك بتتكلم عن حاجة رمانسية، خصوصاً يا جدع انك بتعرف. برافو يا دكتور أحمد يونس وعقبال الباقي. هند فهمي

  8. مديحة عبد الحليم قال:

    هل من المعقول أن ترى الدنيا حواليك مولعة والناس مش طايقة نفسها وتهرب بذاكرتك إلى أيام الشقاوة؟ ما عهدنا فيك إلا رجلاً شجاعاً مناضلاً حاد العبارة بقدر ما هو إنساني، وفوق كل شيء موهوب بجد، مش زي الزبالة الكتيرة اللي بتنكتب اليومين دول. وفجأة تروح ناطط من المركب الغرقانة وهاتك يا ذكريات رومانسية. أعرف طبعاً كبقية الناس أنك تعلمت في إسبانيا. وعلى ما يبدو كانت لك هناك صولات وجولات. لكن اللحظة لا تحتمل الحنان والرقة والشاعرية دي كلها. هذا مجرد رأي يا أستاذنا المناضل الصلب. مديحة عبد الحليم

  9. آخر مكان كنت أتصور أن أقابلك فيه. كنت أتوقع دائماً أن أراك في اعتصام أو إضراب من أجل متحدي الإعاقة، أو على شاشة التليفزيون تلعن أبو خاش المسئولين، أو في مظاهرة من بتوع كفاية، أو من أجل فلسطين أو العراق. أما على الإنترنت فلم أتوقع هذا أبداً. ولم أتوقع أن تكون لك مدونة خاصة. ومعلش يا دكتور أحمد يونس أنت عودتنا أن نراك تعمل في مكان، وكنت تقول: أنا أُجَري. ولم أسمع أنك امتلكت شيئاً، ولا حتى موبايل. والآن، أنت صاحب مدونة. عمري ما تصورت شيء زي كده. هو طبعاً مش عيب، ولا كتير عليك. ولو كان الأمر بالأحقية، لأصبحت أنت مالك الإنترنت بحاله. لكن للأسف الدنيا ليست هكذا. وعلشان كده استغربت. وفرحت أيضاً في الحقيقة. هناك أخيراً مكان أستطيع أن أقابلك فيه غير قراءة مقالاتك في الصحف. ومن غير ما يرد الأنسر ماشين. وعلى فكرة: أنا باكرهه. ربنا ياخد اللي اخترعه. تحيات من هنا لغاية، مش عارفة، لغاية آخر العالم. مها الشافعي

  10. ماجدة الشربيني قال:

    الدرس الأول أروع من الروعة. الدرس الثاني أتوقع أن يكون أسخن من النار. بالرغم من الشتاء والجليد. ماجدة الشربيني

  11. أرجوك أن تكتب كلاماً من هذا النوع الرائع، وأنا أحب مقالاتك السياسية لأنها ليست سياية فقط. إنها مختلفة وفيها حاجة تانية شديدة التألق والخصوصية. لكنني أحب أكثر كتاباتك عندما تتحدث عن الحب والمشاعر الإنسانية البسيطة. هذه أيضاً معركة تستحق أن تخاض في مجتمع يعتبر التجهم استقامة والحب عيب والإنسانية خروج عن السراط المستقيم والإبداع حرام. هذه أيضاً معركة ليس لها غيرك. فهل ستسمع رجائي؟ بنورة

  12. طب زمان كنت كده، ودلوقتي؟

  13. اعتماد عبد الظاهر قال:

    أفهم من كده ان دي دعوة صريحة للإباحية؟ هو ده اللي وصلني. على العوم لسة قدامك فرصة لتوضيح الموقف. اعتماد عبد الظاهر

  14. أريد أن أعرف هل هي قصة أم جزء من مذكراتك الشخصية؟ مدحت فهمي

  15. أقترح أن يكون في هذه المدونة جناح خاص بالقصص. وهناك قصص كثيرة في المدونة فعلاً. والحقيقة أن هناك أشعار أيضاً. وهناك مقالات قصصية ومقالات شعرية وقصص على شكل مقالات وقصائد على شكل مقالات وفوضى كبيرة جداً ويحتاج الأمر إلى عملية توضيب. يعني مثلاً تصنيف المواد القصصية في مكان والشعرية في مكان آخر. وهذا أفضل للقارئ. وهو أسهل كمان. وتحياتي لكاتب جامد مثلك يا دكتور. مها عدلي

  16. كلام سخيف يصدر عن شخص متأثر بالغرب فى أفكاره وعاداته والتفسخ الخلقي الذي يعانون هم الآن منه ويتمنون لو عادوا إلى الاحترام والتحشم والعفة. هل سمعت بها؟ هشام المصري

  17. مكبوت لا ينكر ذلك قال:

    أما أنا يا عمنا فأرى عكس ما قالوه جميعاً بالتقريب، وأنا أعتقد أن عليك إصدار سلسلة الدروس كلها تحت عنوان: دروس في الحب أو كيف تتعلم الحب في عشرة أيام. والعناوين كثيرة. الشباب في حاجة لهذه النصائح غير المباشرة نظراً لقلة خبرته والكبت الذي يعاني منه والبلا الآزرق الذي نعيشه. أم تنقصك الجرأة؟ خصوصاً في المناطق الحساسة. أنتظر الرد في تنفيذ اقتراحي، أو فأنت خائف. مكبوت لا ينكر ذلك

  18. لكنك لم تذكر ماذا تعلمت من هذا الدرس!

  19. إيه الأباحة دي؟

  20. ومع ذلك فهي لم تكن إيجابية بالقدر الكافي ولا متحررة ولا يحزنون. كان عليها أن تقاتل أكثر ولا يقتصر دورها على اللوم والتأنيب. هناك شرقيات أشجع منها بكثير. لكنهن لا يعترفن بذلك أمام العامة والهوجاء حتى لا تذهب في الكازوزة. خائفات نحن من ال الرعاع والدهماء، ومن أكلة لحوم البشر. لكننا ساعة الجد بنعرف نتصرف بشرط أن نكون عاشقات بجد. لا أحد يضاهي الشرقية إذا هي عشقت. وكان عليك أن تتعلم شيئاً أيضاً من تجاربك مع الشرقيات. أم كل قصص الحب في حياتك مع أوربيات؟ ألاحظ هذا من مقال أو قصة ـلا أدريـ هنا في المدونة اسمها: تعالى معي إلى بـلاد أخرى. خواجاية برضه. الشرقيات لهن سحر خاص. لو ظهر الرجل الذي يفك شفرتهن. ألا تعرف أنت شفرة الشرقيات؟ طبعاً كل واحدة منهن لها شفرتها الخاصة. هل تعلمت فك الشفرة الخاصة بأي امرأة شرقية؟ أم أن كل الدروس التي تلقيتها كانت في الغرب؟ حاول، فالوقت ما يزال يسمح والفرصة لم تضع بعد. وبالتأكيد أنا سأرمز لنفسي باسم مستعار. ما رأيك في: شرقية؟ كويس؟ خلاص. أنا من هنا ورايح: شرقية. بل إوعى تنسى: شرقية. إسمي إيه؟ شرقية. صح كده. إسمالله على مقامك. شرقية

  21. صلاح الديواني قال:

    كلنا لازم نشارك في إضراب 6 إبريل دفاعاً عن الحياة في وجه أعداء الحياة. صلاح الديواني



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

الكاتب ـالجدير حقاً بهذه التسميةـ ليس ضمير عصره فقط. إنما هو ـأيضاًـ عقله الباطن.< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />