الدكتور أحمد يونس يهلوس في سره على الملأ< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />


الكتابة بلا مخاطرة,< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

كمواجهة العواصف على الخريطة.

جدارية على إيقاع بوليرو عــودة الرعاة

كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 27 مارس 2007 الساعة: 10:37 ص

كنت أتمنى أن أحظى بقليل من الوقت لأحل لغز هذه الابتسامة

جدارية على إيقاع بوليرو عــودة الرعاة

 

أقسى ما في التذكر هو عندما لا يكون هجوماً يتعرض له الإنسـان من الخارج، كـأن ينتشـله من قاع النسيان خـبر مـقـتضـب في جريدة، أو مقــطــع من أغنيةٍ نستغرب لماذا لم تهزنا إلى هذه الدرجة فـي الماضي،أو شظيةٌ متطايرةٌ من حــوار بلا معنى فـي الأوتوبـيـس بين اثنين لا نعرفهما، كـأن تعـيد إليه دورتـه الدمـوية الهاربة رائحةٌ ارتبطت لدينا في اللاوعي بمكــان أو بزمــن ما، تراكمت فوقه السنوات، أو حالةٌ شديدة الخصوصية تلامس داخلنا جرحاً قديماً كنا قد ظنناه التأم. حالةٌ نشهق من الإحساس المفاجئ الذي يبلغ حد اليقين بأننا عشناها من قبل، ولا ندري أين ـبالضبطـ أو كيف أو متى أو مع من. هذا هو أقسى ما في التذكر. عندما يندلع من تلقاء نفسه ـكالحريقـ طــي سكــون القلب، لندرك أنه ـأبداًـ ما غاب عنا، وأنه حـاضـر فينا  مع الجينات حتى آخر العمر، تماماً كطول القامة أو لون الشــعر أو العينين، أو كرنة الأسى بين تجاويف الحنجرة.

كل المناسبات تصلح لأشتاق إلى  مقابلة الشخص الذي لم أكنه. كلها تصلح لأشتاق إلى مقابلته على انفراد. أوحشتني اللوحات التي قامت يدي هذه برسمها، قبل أن تأكلها النيران عن بكرة أبيها منذ لا أذكر كم من السـنين. أوحشتني اللوحات التي كادت يدي هذه تتخشب من التعب أثناء رسمها،قبل أن تلتهم النيران الغــابات والوجــوه وعـشــش الصـفـيح والنســاء العـجـاف المــتشــحات بالسواد والشــوارع والبـاعــة المتجولين وكــبائن الكورنيش وتـواري الشمس خلف منحنى الرؤية عند بير مسعود. أوحشني كل ما قامت يدي هذه بتجسيده في دفاتر الرسم بالألوان المائية أو الباستيل.

وقد سـألت نفسي مراراً: ألا يقع ارتباطـك الغـريب بالفن التشكيلي إلى الآن داخل نطاق الحــب من طرف واحد؟ إجابتي ـأبداًـ ما تغيرت: ربما كان هذا صحيحاً! هل قلت: ربما! أقصد: غالباً في بعض الأحيان،أو ـربماـ على الأرجــح بنسبةٍ ما. تلك هي إجابتي التي ـأبداًـ ما تغيرت.

 ومع ذلك، فأنا ما أزال أرتجف من النشوة حين يصف لي أشخاص معينون بالتفصيل غير المــحــدود ـعلى مدى سـاعـات قد تصبح أياماًـ بعض اللوحات التي لم يتَح لي أن أراها بالعين في المـاضـي. ليست النشــوة بالضبط. هو ـعلى ما أظنـ إحـســاس يشبه الرغبة البـدائية عند الأطفال في لمـس الشفق بأطراف الأصابع، أو تحــمــل لســعـة قــوس قــزح مقابل تذوقه باللسان، ليتأكدوا من أن ما يتهيأ لهم هناك على البعد حقيقة، وأنه ليس ضرباً من خداع البصر. فضلاً بالطبع عن النزوع الملح بلا هوادة ـكالوسواس القهري الذي يقود حركة الريشاتـ إلى التوحد مع الألم البشري. وفوق هذا كــلـه لأن أمي حلمت بـأن أحترف الرسم. ولم تكلف نفسها مطلقاً عناء الرد على السؤال الذي اعتاد أبي أن يطرحه: هل فكــرتِ في الطريقة التي سيكسب بها عيشه ليتفرغ إلى هـذا الفــن الرفيع؟

وعلى أنغام بوليرو عــودة الرعــاة لرافيل بحجرتها، كنت أجلس من العصر حتى أواخر المساء، ناظراً إلى شجرة الجازورينا التي تداري على جانب من شرفة الجيران الغارقة دائماً فـي العتمة، وعلى النصف الأيمن طولياً من الوجه النحاسي المستند هناك باستمرار إلى الدرابزين، شاخصاً إلي هو الآخر في الغالب. لم أعرف أبداً هل هو لرجل أم امرأة؟ أم لذئب يتحين الفرصة لينقض؟ إلى درجة أنني ـعندما أردت أن أجسد الوحشة المجهولة المصدر التي تستبد بي مع حلول الليلـ جاءت النتيجة على الورقة اسطوانةً تلف في الجــرامــافون. اسطوانةً تنعكس على دورانها البطيء المتثاقل ـكإيقاع الغنمـ ارتعاشات الضوء المنبعث من النافذة بألوانه الغـروبية. كنت أجلس ـعلى أنغام بوليرو عــودة الرعــاة لرافـيل بحجرتهاـ من العصر إلى ما بعد المغيب، أفر الصــفــحــة تلو الأخرى في كتب كبار الرسامين ـأمــثـال جــويا أو إل جريكو أو فان جوخ أو بيتر بروجِل أو بيكاسو أو رمبرانت أو ليوناردو دافينشيـ لأقلدها، فتعاتبني قائلة، على حين تجمع المجلدات لتعيدها إلى الأرفف بمكتب أبي: انتهت هذه المرحلة الآن. التقليد انتهى أمره. لن تجد في الدنيا التي تراها حـواليك شيئاً يستحق الرسم،إلا إذا تعــلمــت ـأولاًـ كيف تغمض عينيك لتتخيل.

كانت تقطع الكيلومترات الطويلة سيراً على الأقدام من بيتنا ـعند كوبري عباس من جهة الجيزةـ إلى مخـتلف الحدائق بالقاهرة، أيـام كانت في القاهرة أماكن تستحق هذه التسمية. التخـتة الســوداء، بحاملها الخشبي الثقيل، كأنه صليبها الشخصي، تنحدر عليهما ـكفصوص الماسـ حــبات العــرق التي تتساقط من جبهتها، فيما هي تلهث كما لو أنها قضت العمر كله تركض،لتهمس بـصــوتها الشــهــرزادي المرهق، ما أن نتوقف عند المنظر الطبيعي الذي نختاره معاً: لا ترسمه كما هـو. ارسم إحـساسك به.

فجأة، عندما استقر في يقينها أن علاقتي باللون والخط والظل سوف لا تستغرق أكثـر من سنوات معدودة،أصرت على إحراق كـل ما قمت برسمه من لوحات. وعلى الرغم من أن ما حدث كان خارجاً عن إرادتي، فلقد لازمني دائماً تجــاهها إحــســاس ثـقــيل الوطــأة بالذنب. الحزن الصامت الذي استوطنها أبداً ما أعطاني الفــرصــة حتى لأبادرها قائلاً: أنا آسف يا أمي! ولم تكن هناك أنغام بوليرو عودة الرعاة لرافيل، لكي تخفف ـولو قليلاًـ من إحساسي المجهول المصدر بالوحشة في أواخر المساء. حل مكانها كورال الضفـادع بالحديقة الذي بلغ يومها بالتحديد قمة تألقه. بالذات الباريتـون الأول الذي لا أدري من أين يستمد كـل هذا الحماس, أو لماذا يختار نافذتي أنا دوناً عن الجميع, ليغرد تحتها بأعلى صوته, على الرغم من أنها ـبحكم إقامتنا  في الدور الأولـ لا تبعد عن الأرض أكثـر من أربعة أمتار, وأنه حتى لو رفع عقيرته بالغناء من داخل جزع شـجرة التوت حيث عش الضـبابير هناك بعيداً عند سور الخرابة،لمـا تعذر عليه دون أن يبرح مكانه أن يخرق بنعيقه الطيني طبلة أذني. لمـا تعذر عليه بحنجرته تلك الشوكـية الصدئة, كجلد القنفـد, أن يعبئ الجو بشـحنات الغـبار الداكن التي لا يتوقف عن إصدارها في أواخر المساء, إلى أن يتأكد من أنه أطفأ النور في أحلامي, لتصبح كلها بالأبيض والأسود. وعلى مدى سنوات الطفولة المبكرة, تهيأ لي دائماً أن الليل ليس رجلاً بالقدر الكافي حتى يتجرأ على المجيء, إلا إذا أعطته الضفاضع بنقيقها الإذن أولاً. ظللت إلى ما بعد الغروب أراقبها من تحت الضمادة التي تغطي العينين، على حين أخذت هي في الشرفة تقذف بأفــرخ الورق المـلفـوفـة تباعاً بين ألسنة اللهب. تقذف بها ـالواحد تلو الآخـرـ بعد أن تفــردهــا ببطء شديد،لتلقي عليها النظـرة الأخيرة. كانت تبكي ـلأول مرةـ بصوت مـسـمـوع يخلع القلب، كما لو أنها تحتج على عــقــاب قاس لا تستحقه، وأن ظلماً عبثياً من المستحيل تبريره قد وقع عليها. خاصمت إلى الأبد المتاحف ومـعـارض الرسم والنحت والكــتب المــصــورة والسينما. من  ساعتها، وأنا أحاول ــكلما جلسنا متجاورَين لنشرب قهوة المساءـ حتى غادرت الدنياـ أن أقنعها بـأن تخلع حداد الروح.

إلا أنني فـشـلت.

 

نُشر بأخبار الأدب الأحد 2 سبتمبر 2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

15 تعليق على “جدارية على إيقاع بوليرو عــودة الرعاة”

  1. لماذا كلما قـرأت لك وجدتني أبكي؟

    جيهان كامل

  2. أمنية علي حسن. طالبة بآداب عين شمس قال:

    كيف أعلق وأنا حاموت من العياط! حرام عليك يا راجل كده والله!

    أمنية علي حسن

  3. د. خالد الغمراوي. طبيب مخ وأعصاب قال:

    كنت تلميذاً معك في نفس الفصل بمدرسة أسما فهمي النموذجية عندما حدث كل هذا الذي تشير إليه هنا، ولا أزال أذكر حين تغيبت فجأة عن الحضور إلى المدرسة. كما لا أزال أذكر بعض لوحاتك التي كانت تبشر بفنان كبير، بينما أنا كنت أزوغ من حصة الرسم لأملأ جيوبي من الكنتين بالنوجة والشيكولاتة والبسكوت وجوز الهند. وبالأخص أذكر لك لوحة ليلة العيد، كأنني أراها الآن، والتي كانت تجسد خادمة صغيرة حافية القدمين لا يتجاوز عمرها 7 أو 8 سنوات، وهي لا تكاد تظهر من تحت صاجات الكحك الخارجة من الفرن. كان شكلها يوحي بالبؤس ويبدو أن عندها أنيميا، وكيف قالت أبله دولت سعفان: شيلوا الرسمة الحزايني دي من هنا.

    أنا ألتقي بك عبر كتاباتك الصحفية أو الأدبية، ومن خلال مواقفك الجريئة بالضبط كما كنت زمان. لكن أنا أتمنى أن أراك في الحياة. نلتقي ونستعيد ذكريات الطفولة. ألست أنت من كتب في إحدى مقالاتك: لا شيء ينوب عن المصافحة؟ تحياتي المدخرة لك منذ أيام أسما فهمي النموذجية. كانت معنا لو تفتكر الدكتورة أميمة كامل مقدمة البرامج العلمية الجميلة بالإذاعة والتليفزيون. لكن في الفصل الأعلى. وكان معنا أولاد وبنات كثيرون أنظر إليهم في الصور التذكارية التي تجمع كل التلاميذ، وأسأل نفسي: يا ترى ما أخبارهم الآن؟

    د. خــالد الغــمــراوي.

    الذي كان يضحك كثيراً.

    حالياً طبيب مخ وأعصاب

  4. عمري ما بكيت وانا باقرا حاجة إلا المرادي. سوزان أحمد عاصم

  5. ميرفت محمود كامل قال:

    أنت يا سيدي رسام بالفعل. كل ما في الأمر أنك استبدلت الريشة بالقلم. رسام أنت يا سيدي بالكلمات. ميرفت محمود كامل

  6. عصام خالد. شاعر إسكندراني قال:

    خسارة كبيرة أن تبدد هذه الموهبة العبقرية في مقالات مهما كانت جميلة ستذهب عندما يجمعون الصحف من عند الباعة في الظهر. كتاباتك تنم عن عن مقدرة روائية خطيرة. أقترح أن تهتم بذلك، فموهبة كهذه يمكن أن تصنع الكثير على مستوى السرد الإبداعي. كتاباتك مليئة بالصور واللحظات الإنسانية الفريدة الناتجة على ما يبدو من خبرة بالغة الخصوصية، فلماذا لا تكون فناراً لإبداع أكثر بقاءاً من الشغل الصحفي القصير العمر. الصحافة تمتص الموهبة وتقتلها ولا يبقى منها شيء في النهاية. عصام خالد. شاعر إسكندراني

  7. شخص تعرفه ولا يريد أن يوقع باسمه قال:

    أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل بعد كده في حياتك، مع إني بكـيت كثيراً وأنا أقرأ هذه المقالة. لماذا لا تكتب مذكراتك. شخص تعرف ولا يريد أن يوقع

  8. ما أجملك! كل ما تكتبه صادق ومختلف وطالع من القلب، وأنا أتابع أي شيء يحمل توقيعك في أي جريدة وأتابع أحاديثك في التليفزيون وأتابع أخبار نضالاتك في الحياة العامة. أنت مدهش والواحدة تشعر بالفخر لأنها تعيش نفس عصرك. حنان غالب

  9. جميل قوي المقال ده وانا عايزاك تكتب أكتر برة السياسة أحسن كده خطر عليك. أم

  10. كاتب عملاق بكل معنى الكلمة. هذا هو أنت يا دكتور أحمد يونس

  11. صابرين منتصر قال:

    أقترح أن تظهر هذه الذكريات في شكل كتاب. إنها تجربة فريدة من نوعها، وهي بالغة الصدق وتستحق أن تروى وتصل إلى الناس. ليس على مستوى اللغة العربية فقط، بل عالمياً أيضاً. لا أظن أن هناك شيئاً بهذه الخصوصية، وأنت تعطيها جمالاً ودفئاً بكتابتك المتوهجة دائماً. صابرين منتصر

  12. أبهرني هذا المقال والمقالات الأخرى أيضاً لكن هذا المقال حاجة تانية. ورجائي أن تستمر في كتابة الإنسانيات. وبلاش سياسة مؤقتاً حتى تتضح الأمور. الدنيا مش متظبطة والحكاية مش جايبة همها والإنسانيات أبقى للتاريخ. وهذا المقال قطعة أدبية شديدة التميز والصدق، ورائع فعلاً والسؤال هو لماذا لا تكتب أكثر عن حياتك؟ لماذا يا دكتور لا تحكي لنا عن هذه اللحظات التي قد تكون مؤلمة لكنها تستفز إلى الإبداع. أنت دائماً متوهج لكن في الإنسانيات حاجة تانية خالص. وأنا منتظرة المزيد. مع تحياتي. سيدة من مصر

  13. لينا السعدني قال:

    قـرأت في أكثر من صحيفة أجزاءً أخرى من مذكراتك. أو هكذا بدت لي. كلها رائعة. لماذا هي غير منشورة بالمدونة؟ إنها حميمية وصادقة وجميلة وتستحق أن يطلع عليها قراء الإنترنت. بل إني أحبها أكثر من مقالاتك السياسية رغم تألقك في كـل شيء تكتبه. لينا السعدني

  14. رسوماتك الأدبية أجدع من أجدع لوحات. أنت يا دكتور رسام كبير. وأنا أستمتع بالصور والألوان التي تغص بها كتاباتاتك. ومع حبي لك ولما تكتبه. ماجد التوني

  15. كده برضه تخليني اعيط وانا اللي جايالك على آخري وعايزة احط راسي على كتفك وانام؟ كده برضه؟ ما كانش العشم يا دكترة! على العموم المقال يجنن. مش غريبة عليك. مها الشافعي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

الكاتب ـالجدير حقاً بهذه التسميةـ ليس ضمير عصره فقط. إنما هو ـأيضاًـ عقله الباطن.< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />