تعالى معي إلى بـلاد أخرى
كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 5 أكتوبر 2006 الساعة: 19:45 م
الدكتور أحمد يونس يكتب:
تعالى معي إلى بــلاد أخرى
المصري اليوم / الأحد 19 مارس 2006
قالت لي ما ترجمته: أنا خلاص! ما بقـيتش قــادرة على العـيشـة دي! خلاص! حـقـيقـي ما بقـيتش قــادرة!
شيء ما, عـذْب بقـدر ما هو ملبـد بالأسى, كان يترقرق فـي عينيها نصـف المـغمضتين, كأنهما نافورتان مجهدتان فـي أواخر المساء, تغالبان النعاس خوفاً حتى من الحلم. كانت ترتجف, لا من البرد أو الغضب أو الخوف, إنما من تهتك حاد فـي أنسجة الروح, عندما أضافت: المرأة التي تستغيث بي في صمت, كلما نظرت إلي من على صفحة المرآة, ليست بالتأكيد هي أنا! ابتسامة الموناليزا, كما اعـتدت أنت دائماً أن تصفها, صارت أقرب ما تكون إلى تقطيبـة الجدة البـائسة فـي لوحة الرعـاة لبيتر بروجِل. تعالى معي إلى بـلاد أخرى ليست غريبةً عنك. بـلاد تـعرف ـمن واقع تجـاربكـ أن أحداً لن يـضطهدك فيها لـرأي أبـديته أو بؤرة فـساد عـريتهـا أو موقـف دافعت عنه, ولا يوجد أدنى احـتمال فـي أن تـمـر على أرضها بمحاولة اغتيال بشعة, كتلك التي تـعرضت لها منذ ستة أعوام. تعالى معي إلى بـلاد لا تتطرق إلى ذهن أحد من كبارها فـكرة أن يصفـيك جسدياً بإشعال النـار في المنزل بأكمله, أو من خلال حقـنك بالهواء في الوريد, أو يـبعث بمن يسـكب البـنزين فـي عينيك, بكل ما يترتب على ذلك من أوجاع مزمنةٍ لن تبرأ منها ما حييت!
ولم أجد فـي صوتها المشروخ تلك الحديقة الشـهرزادية التي طالما غفـوت على حفيف أشـجارها المستحمة بقطر الندى: أتظن أنني لا أسـمعك بالليل, حين تغـلق على نـفسك باب حجـرة المكتب, لتئن بـمفردك من الألم؟ ألأنني أسـكت تـخيلت أنني لم آخذ بالي منذ الوهلة الأولى, من أنك لا تبـالغ في التظاهر بالمرح, إلا لتخفـي ما بك من حرائق؟ تعالى معي نستظل بسمـاء أخرى لا تسرق تحت قبتها أعمـارنا عصـابات الـمزورين أو قـتلة الأطفال أو خبـراء التعذيب أو مصاصي الدماء أو النخاسين الـجدد, ولا تمطر طول النهار نكداً ومجازر وكوابيس ومحارق ومغـارق وسحـابات سوداء!
قلت: ليت هذا في إمكاني! ليتني أستطيع! كيف أرحل بعيداً, وأنا كلي هنا, مـوزع على ذرات التراب ونشـوق العـواجيز فـي القرى, وعلى الغبـار الذي يتساقط من الشفق في الأمسيات الموحشة, ليتناثر فوق أسطح البيوت المـجللة كلهـا بالحداد؟ إلى أين أذهب, والوطن بالنسبة لي ليس فندقاً, إذا لم تعجبنا الخدمة فيه, بحثنا عن غيره؟ الوطن بالنسبة لي هو المكان الذي نعاني فيه بمحض إرادتنا! كيف أرحل بعيداً, وأنا مـخلوط بعجينة الحناء ورماد الفرن وخميرة الخَبـيز والكحل في عيون الصبايا وتشابك الحروف في عبارات التهاني والعزاء؟ كيف وأنا, بعد كل هذه السنين, ما أزال أتحين الفرصة لأقف على الرصيف أيام الإجازات, كما اعتـدت في طفولتي البعيدة, أمام النافذة التي طالما انتظـرت, ليلاً أو نهاراً, صيفاً أو شتاءً,أن تطل من خـلف شيشها بنت الجيـران؟ لمن أترك الطـرقات التي تجسدت بمرور الوقت, داخلي من الرأس حتى القدمين, على هيئة أوردةٍ وشـرايين تموج بالصخب؟ لمن أترك شارع الجـبلاية, وكـوبري الجامعة, وحـواري سيدنا الحسين والقلعة والمغربلين ودير الملاك, وبـائعات الفل في ميدان التحرير, وقـوارب العشاق على صفحة النيل سـاعة المغربية؟ من ذا الذي سأئتمنه على الكـورنيش من المعمورة إلى العـجمي, وعلى الشماسي وجرادل الأطفال الملونة وصـخرة ميامي وقـصور بنيناها فوق الرمال وبير مسعود؟ من ذا الذي سأئتمنه على الوعود والعهود والتنهدات, وعلى تـلامس الأيدي والشفاه خلف الكبائن في هجعة الظـهر الأحمر, وعلى الذرة المشوية والفريسكا والسينالكو وغـزل البنات ومـقاطع متداخلةٍ من أغـنيات لعـبد الحليم؟ من سيروي بماء الحنين الأخضر كلاماً سكبتـه في آذان صديقاتي, بكل ما فـي الدنيا من صدق, عن المستقبل الأقل قبحاً, أو الحـياة الأقـل ظـلماً في وطـن أقـل تعـاسة؟ إلى أين أذهب, وأنا أريد عندما يحين الأجل أن أرقد إلى جوار أبي, وأن يؤنس في وحشة القبر كـل مـنا الآخر, باستحضار سـاعات طويلة, قضيناها معاً في الشرفة, بالقاهرة أو الإسكندرية, أو بصحبة الفلاحين الحزانى فـي ظل السواقي الحزينة, نتحدث بصوت خافت, كأنما نحن لا نريد أن نُفزع بأخبارنا فـي هذا الزمن الأغبر أرواح أحبائنا النائمين تحت التراب. نتحدث همساً عن عذابات الفقراء ودونية الكهنة وشراهة رجال الأعمال ودموية العسكر ومذابح الطغاة وحلم التغيير, وعن الليل الذي لا نهاية له, وعن الشقاء الإنساني؟ أقـسم لـك أنني ـمهما حـاولتـ لن أستطيع! ليس هذا في مقدوري أصلاً, ولا عمري تصـورت أن حدوثه وارد. أقسم لك بهاتين الغمازتين اللتين يحسدك عليهما قوس قزح. أنا لا أتخيل مجرد فكرة الرحيـل إلا بهدف الدراسة كما فعـلت. لا أتخيل مجرد فكرة الرحيل إلى الأبد, تاركاً أرصـفة الشوارع المـهشمة أو المناطق العشوائية أو سكان القبور. تاركاً التفرقة العنصرية السافرة التي يمارسها نازيو الجيستابو الجديد فـي (أزهى عصور الديمقراطية وحقوق الإنسان) ضد الملايين الثمانية من متحدي الإعاقة أو آلاف الجياع الذين ينامون شبه عراةٍ تحت الكباري فـي عز الشتاء.
سافري أنـت بالسلامة, ولا تخافي علي. لا يوجد ما يدعو إلى الخوف على مثلي. ألسـت أنـت من اتهمني دائماً بتحجر المشاعر؟ ما الذي يقلقـك إذن؟ اطمئني عـلى الآخر. وتأكدي من أنني لن أبتئس لفراقك, ولا سأفتقد لمسة يـدك على جبهتي, وأنـت تسألين: ماذا بك؟ هل أنت مريض؟ إلى متى ستظل تحمل الكرة الأرضـية فوق رأسـك المثقـل بالهموم؟ اطمئني عـلى الآخر. وتأكـدي من أنني لن أقـطع البـيت جيئةً وذهاباً, المرة تلو الأخرى, كالمدمن الذي تأخر عليه موعد الجرعة, باحثاً على المخـدة أو بين أسنان المـشط ـأو حتى فـي هواء الحجراتـ عن عطر ضفـائرك, ولا سيقتلني الشوق إليك, ولا سأبكي قليلاً على انفراد, كلما فتحـت بـاب الشقـة لأجدها بدونك, ولا أي حــاجـة خـالص…!
د. أحمد يونس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 6th, 2006 at 6 أكتوبر 2006 9:08 م
تطلع مين دي بقى اسم النبي حارصها وصاينها؟ خواجاية, مش كده؟ حاكم انت زي القرع تمد لبرة. ياخي إحمد ربنا انها غارت. خدت الشر وراحت. وبعدين ليه إن شاء الله الدراما دي كلها؟ خيرها في غيرها.بطل صياعة بتاعتك دي بقى وبص حواليك. مش بعيد على ربنا بكره يعوضك وتلاقي ست ستها!
أكتوبر 13th, 2006 at 13 أكتوبر 2006 2:01 ص
باحبك يا حمار. ع
أكتوبر 22nd, 2006 at 22 أكتوبر 2006 10:48 م
أحمد أفندي يا يونس! سالخير على عـينيك يـا سـي الـدكــتـور! إنت ياللي بتشـتغل مـؤذن في مالطا, ومأجر شـقـة فـي قــلـب العـاصفـة! فـيـه حـد قـبـلي قــال لك: تجـنن يا مجـرم؟ فـيـه حـد قـبـلي قــال لك: إنت فين من زمان؟
كـتاباتك أصبحت بالنسبة لي كـحدوتة قبل النوم, بالرغم من أنها مزعجـة لا تبعث غالباً إلا على الأرق. كل ليلة, أتسـحب على طراطيف صوابعي داخل الإنترنت لكي لا أوقظك. أتصفح أوراقـك المبعثـرة في المواقع أو المدونات, ولا أعود إلى فـراشي إلا عندما أسمع وقع أقدام أبي نازلاً على السلم في طريقه إلى الشغل. تلح على أذني كلماتك, فأنام.
تصـبح على خـير يا أحمد أفندي يا يونس! تصـبح على خـير ياللي بتشـتغل مـؤذن في مالطا, ومأجر شـقـة فـي قــلـب العـاصفـة!
ماري نجيب
أكتوبر 25th, 2006 at 25 أكتوبر 2006 9:16 ص
مقال أكثر من رائع, وأنا كانت الدمعة حتفر من عيني لمـا قال لها أنه لن يبكي. وساعات باحس إن مقالاتك عبارة عن قصص. لكن, هـي مش حترجع؟ خلاص كده؟ مين يعرف؟ يمكن برضه! وتكتب لنا فصل تاني.
أشجان. آداب الإسكندرية
ديسمبر 4th, 2006 at 4 ديسمبر 2006 6:05 ص
أجدع حاجة في المدونة دي هي الأسلوب. ياي على أسلوبك! يجنن! باين عليك جامد قوي في اللغة العربية وقواعد اللغة العربية وخلافه. متمكن! متبحر! عبقري! نابغة! جهبذ! فطحل! دماغ متكلفة! والمعاني الصراحة مش عارفة مالها كده زي ما تقول! ما علينا! مافيش كلام في الحب؟ مافيش خالص؟ أو من بعيد جداً زي في (أنفك اللي يستاهل قطعه) وغيره. كله سياسة في سياسة؟ حتى لما تكتب عن الست الخواجاية اللي معلمة فيك دي في (تعالى معي مادري فين) برضه تروح مديها طقم وطنية! فكها شوية بيليز! عايزين لهلبة! عايزين إيه يا دكترة؟ لهلبة بالقوي. إفهموها بقى!
أحلى بنت في روكسي
أبريل 24th, 2007 at 24 أبريل 2007 12:30 ص
إعمل لي فيها بقى عاطفي ونحنوح! مش لايق عليك يا بابا! إنت يا حبيبي صايع. عارف يعني إيه صايع؟ بكره تعرف! تحديداً في الصيف اللي جاي. أوليف مقار
مايو 22nd, 2007 at 22 مايو 2007 1:45 ص
تصدقني لو قلت لك أنا عمري في حياتي ما قريت حاجة أجمل من دي. وبكيت وانا باقراها مع إني كنت قريتها قبل كده خمس ست مرات. كل المدونة حلوة. بس دي حاجة غير. حاجة فظيعة. أنا معجبة قوي قوي بالطريقة الغريبة دي اللي بتكتب بيها ومش عارفة ليه بالظبط. ومش عايزة اعرف. كفاية كده دلوقتي علشان أنا عندي محاضرة بعد نص ساعة وأنا ساكنة في المعادي والكلية في الجيزة. باي. ناني
مايو 22nd, 2007 at 22 مايو 2007 1:53 ص
قصة جميلة. وفيها حاجات حلوة كتير. وائل
يوليو 2nd, 2007 at 2 يوليو 2007 11:22 ص
إيه الجمال ده كله؟ أمال ان ما كانش الدكتور أحمد يونس حيكتب كده طب يبقى مين؟ أنا من ساعة ما عترت ع المدونة دي وانا دايخة اقرا إيه الأول. عموماً أنا من هنا ورايح حاقعد في أرابيزك هنا جوة المدونة. وذنبك على جنبك. مش انت اللي بتكتب حلو؟ مها الشافعي
يوليو 3rd, 2007 at 3 يوليو 2007 7:01 م
الدرس الأول. ثم هذا. أو هذا ثم الدرس الأول. هم كام درس في حياتك؟ ولسة! ياما في الجراب يا حاوي. مش مجهولة خالص. خالص. خالص. يعني إطلاقاً بالمرة.
يناير 2nd, 2008 at 2 يناير 2008 10:37 م
أصلك لا مؤاخذة عبيط. لو كنت مكانك لذهبت معها
يناير 23rd, 2008 at 23 يناير 2008 11:15 م
ما طاقتش تعيش هنا شوية؟!؟ أمال احنا بقى نعمل إيه؟ سيدة من بر مصر المحروسة