الدكتور أحمد يونس يحدثكم عن الأنظمة العربية
قـال عـلى رأي المـثل
بعتناها تاخـد بتار ابوها رجعت لنا حـبلة
الكرامة / الثلاثاء 1 أغسطس 2006
عاشت جدتي العمر بأكمله تفسر كـل مـا يحدث في العالم عن طريق الأمثال. ولم تستفد في الحقيقة كثيراً من كـون أبي هو الرائد الأول لدراسـات الآداب والفنون الشعبية في الوطن العربي. بل الأصح أنه هو من استأنس بجواهر الحكمة المكنونة داخل شكمجـية قلبها الطيب. كعلممصر الأخضر القديم، بهلاله الأبيض ونجومه الثلاث، ستظل هذه السيدة ترفرف في سماء ذاكرتي ما بقيـتحياً.
وقد سـألت نفسي: لو أنها معنا الآن, فبماذا كانت ستعلق على مواقف حكامنا المتواطئين منذ العدوان الإسرائيلي المتوحش ضد لبنان وشعبه في 12 يوليو الماضـي, أو حتى على مدى السنوات الطويلة المترعة كلها بالمهانة التي سبقت هذا التاريخ؟ بماذا كانت ستعلق؟ أطل في جنح الظلام من نافذتي بالطابق الرابع عشر منادياً: كيف يا جدتي أسمي هذه اليوميات؟ كيف يا جدتي؟ دليني من فضلك على العنوان المناسب لعار كهذا. دليني من فضلك, فأنا لا أجد بين مفردات اللغة ما يفي بالغرض. صوتها الدافئ, لا أسمعه إلا في الفجر متخفياً وسط زقزقة العصافير: قـال عـلى رأي المـثل: بعتناها تاخـد بتار ابوها رجعت لنا حـبلة!
لا شيء تغير تقريباً منذ النكبة في 1948. السفاح هو السفاح, ومن يقفون وراءه هم أنفسهم, والمتفرجون هم المتفرجون. الضحية هي الضحية, والخونة هم الخونة, والمشهد ـتقريباًـ هو نفسه ثابت لا يتغير.
الحرب كانت عربية إسرائيلية. أما السلام, فعربي فقط, وهو ما عبر عنه الروائي الكولومبي الأشهر جابرييل جارثيا ماركيث في مقاله العابر للقارات (بيان لا يوقع عليه سواي) حين قال: "السادات دفع حياته ثمناً لمعاهدة سلام من طرف واحد هو العربي". من يومها اجتاح الصهاينة لبنان أربع مرات, غير عدوان 12 يوليو الأخير. اعتدوا على تونس والعراق وسوريا. أسقطوا طائرة مدنية ليبية دون أن يطالب أحد بالتحقيق أو دفع التعويضات. تماماً كما حدث مع أسرانا الذين قتلوهم في حروبنا من 1956 حتى 1973. أما فلسطين, فبلا جدوى أحاول ـمنذ لا أذكر كم من السنينـ أن أتذكر الخريطة التي تعلمها الأكبر مني سناً في المدرسة. كل الأطالس هذه الأيام تطلق عليها اسماً آخر. إذن, فلقد انهزمت الذاكرة. ولم يعد أمامي سوى أن أستعين بالعقل الباطن لأستحضر تفاصيلها. لم يعد أمامي سوى أن أرسمها بالخط البارز. الورقة امتلأت بالثقوب. لكن شخصاً ما لفت انتباهي إلى أن خلف هذه الحفر الصغيرة ما يقترب كثيراً من ملامح امرأة. آه يا عقلي الباطن! ما أقساك! لماذا أخبرتني بأن فلسطين المحتلة ـمن كثرة القبورـ أصبحت كوجه مراهقة غطاها النمش؟
كنا في أعقاب 5 يونيه نخوض حرب الاستنزاف. كنا ننتزع القوة من شدة الألم, ونبتسم رغماً عنا حتى لا نجهش بالبكاء. كنا نجوع أحياناً دون أن نأخذ بالنا, ونخمس السجائر القليلة التي نشتريها فرط. نسينا فكرة الحصول على حذاء جديد, أو قميص غير هذا الذي دابت ياقته واهترأت أكمامه. نسينا فكرة أن نأخذ العيدية أو نشعل فوانيس رمضان. وحتى كرة القدم تم تعطيل مبارياتها. كان التحرير يصلب ظهورنا, فلا ننحني, فإلى ماذا نستند الآن؟ كنا لا نملك ما يكفي إلا لدعوة حبيباتنا على قرطاس ترمس أو كوز ذرة مشوي, ولا نتكلم بينما نحن نتمشى على النيل إلا عن الوطن الجريح. اختلطت الرومانسية داخلنا بعشق لوطن حر لا تدنس أرضه القدم البربرية. ضفائر البنات تعلن الثورة ضد هبات الهواء, والأنظمة التي تصطك من الذعر أسنانها, والعدو. تتكهرب خلايانا بالانقباض كلما مررنا من أمام آلاف السواتر الحجرية الكئيبة التي تسد المداخل في جميع العمارات بالقاهرة, فضلاً بالطبع عن أكياس الرمل المشبعة بالانكسار. كنا نتظاهر, وتضربنا الشرطة ـكما هي العادة في تاريخ مصر كلهـ بمنتهى القسوة. الشوارع مقفرة من الثامنة مساءً, والشبابيك مدهونة بالأزرق. ومن جوف العتمة, تأتي أصوات أولاد مثلنا في سن المراهقة, وهم يتصايحون: طفي النور. الأغاني تقاوم, والأشعار تحذر الحكام من أن يتخاذلوا. وعلى المقاه
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |